بيت العنكبوت : شتات القلوب

مجتمع هجرة بإمتياز

منذ إعلان قيام الكيان الصهيوني في الرابع عشر من مايو (أيار) من عام 1948 سيطر اليهود القادمون من أوروبا الشرقية «الأشكناز» على مقاليدها، والتي مُثلت لاحقًا بحزب العمل، ذي التوجه الاشتراكي. وبدأت التحولات على الساحة السياسية الإسرائيلية منذ حرب 1967، وتسارعت وتيرة هذه التحولات مع حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، حتى وصلنا إلى نقطة التحول الكبرى التي أدت إلى تغيير كبير في تركيبة وشكل المجتمع الاسرائيلي وهو ما عُرف لاحقًا بالانقلاب السياسي الذي حدث عام 1977. ويُقصد بالانقلاب السياسي فوز «حزب الليكود اليميني» بالانتخابات البرلمانية، وفرض سيطرته على الحكم، وذلك بعد تأسيسه بأربع سنوات فقط. ومن هنا بدأت مرحلة جديدة في تاريخ إسرائيل من ناحية التغير في التركيب الاجتماعي، وطبقاته، وفي علاقة الجماعات المختلفة ببعضها البعض أو علاقتها بالدولة.

ويعتمد المجتمع الاسرائيلي في تركيبته بشكل أساسي على المهاجرين اليهود القادمين من أي دولة في العالم؛ فيتكون المجتمع من أربعة أنواع من المواطنين، جاءوا عن طريق سبل اكتساب الجنسية الإسرائيلية الأربعة؛ الهجرة إلى إسرائيل، والإقامة، والولادة، وأخيرًا التجنُّس. وتعتبر الهجرة هي أحد أهم عوامل تشكيل المجتمع الإسرائيلي، حيث تعتبر إسرائيل إلى يومنا هذا مجتمع مهاجرين. ومع أن جذور هجرة اليهود إلى فلسطين تعود إلى أواخر عهد الحكم العثماني (1882-1914).. إلا أن أعداد المهاجرين في هذه الفترة كان ضئيلًا جدًا. ولكن بعد إعلان قيام الدولة.. ساهمت الهجرة مع الوقت في ارتفاع عدد سكان إسرائيل بنسبة 40%.

أزمة الهُوية في المجتمع الإسرائيلي

يهود الفلاشا

وترتبط الهجرة في إسرائيل بأزمة الهُوية؛ فبقدر اهتمام الدولة الإسرائيلية بالهجرة، يجب عليها أن تعمل على خلق فرص لتشكيل وتحويل هُوية هؤلاء المهاجرين القادمين من خلفيات مختلفة، أو جعل الدولة الإسرائيلية والحركة الصهيونية هي المرجع الأساسي لهم في كل شئ، أو ما عُرف لاحقًا باسم «بوتقة الصهر» التي ينصهر فيها كل ما هو مختلف وغير متجانس، لتنتج في النهاية مجتمعًا متجانسًا ذي ثقافة وهُوية موحدة، حتى لو كانت أساسياته مختلفة تمامًا عن بعضها البعض، بحيث يترك المهاجرون ثقافاتهم المختلفة، ويندمجون في الثقافة السائدة في البلد. ولذلك تتخذ سياسات استيعابية تعمل فيها على بلورة الفرص، واستيعاب المهاجرين. ومن أمثلة هذه السياسات.. المساهمة المادية في شراء المسكن، تعليم اللغة العبرية، التأهيل المهني، العمل والإعفاء من الضرائب.

وعمليًا.. قد تتخذ الدولة الإسرائيلية تدابيرًا عنصرية في كثيرٍ من الأحيان.. فمثلًا بالمقارنة بين حالة يهود الفلاشا أي المهاجرين اليهود ذوي الأصول الإثيوبية، وبين حالة المهاجرين اليهود السوفيت، الذين انضموا إلى إسرائيل في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، نجد أن الدولة قامت باتخاذ تدابير عنصرية مع يهود الفلاشا؛ فقامت بعزلهم عن باقي المجتمع بحجة الأمن، بالإضافة إلى العنصرية في التعامل، والوظائف الحكومية، والخدمات المقدمة لهم. وعلى النقيض تمامًا.. نجد أن حالة اليهود السوفيت اتخذت فيها الدولة تدابيرًا استيعابية أكثر وذلك من أجل الاستفادة من القدرات العلمية والعملية من اليهود السوفيت. وبالطبع نتيجةً لذلك لن يكون هناك انتماءً/هُويةً لهؤلاء الفلاشا، وعلى العكس أصبح السوفيت الأسرع في عملية الاندماج في المجتمع. وكما هو يبدو.. نستطيع أن نستنتج أن المجتمع الإسرائيلي عنصري، وبلا هُوية محددة، ولا تمارس الدولة أعمالًا تؤهل حقًا لتوحيد الهُوية الإسرائيلية، خاصةً في ظل عدم وجود إجابة محددة ومتماسكة وشاملة على سؤال «من هو اليهودي؟»

الصراعات و الإنقسامات الداخلية – بين الماضي و الحاضر

يعاني المجتمع الإسرائيلي من عدد من الصراعات والانقسامات الداخلية، خاصةً في ظل قرب اختفاء اليسار الإسرائيلي من الساحة السياسية؛ حيث ظهرت بوادر تحول النظام السياسي الإسرائيلي إلى نظام يميني عنصري. فموجة العنصرية والتعصب أصابت مفاصل مهمة في المجتمع الإسرائيلي، سواء عبر الفتاوى الدينية أو القرارات والقوانين الحكومية.

وما بين الأزمة الوجودية التي يواجهها المجتمع بسبب الدولة، حول ما إن كانت دولة مدنية علمانية قائمة على المواطنة، أم دولة دينية قائمة على أساس التجمع اليهودي وتحكمها الشريعة اليهودية.

ويمكننا ترجمة الصراع والانقسام بين المتدينيين والعلمانيين فيما يخص قوانين الأحوال المدنية، حيث تظهر سيطرة كاسحة للمتدينين، وذلك منذ انتخابات «الكنسيت» عام 2009 عندما فاز باليمين بأغلبيته. مما أدى إلى اعتماد عدد من القوانين العنصرية التي تترجم سيطرة اليمين المتدين في الدولة والمجتمع.

أمَّا الصراع بين الأشكناز والسفارديم فهو صراع أيديولوجي طبقي بين يهود الغرب، ويهود الشرق.

الأشكيناز :

هم الطبقة العليا في إسرائيل، التي تتمتع هذه بالغنى والهيمنة على المؤسسات السياسية والاجتماعية، والأكثر حصولًا على الأجور المرتفعة. وكانت غالبية حكماء الصهيونية، الذين حضروا المؤتمر الصهويني الأول، من الأشكناز، الذين يعتقد بأنهم هم من وضعوا بروتوكولات حكماء صهيون.

اليهود السفاريم :

هم اليهود الشرقيون أو يهود الشرق الأوسط الذين جاءوا من الشرق والدول العربية والعالم الثالث بشكل عام. ويعتبر السفارديم هم الطبقة الدنيا داخل المجتمع الإسرائيلي، وهي الطبقة التي لا تملك سوى الفقر وتوابعه، كما أن أصحابها يعملون في المهن الشاقة، ويتقاضون رواتب أقل بكثير من الأشكيناز.

من هنا يمكننا القول بأن المجتمع الإسرائيلي مجتمع عنصري تغذي عنصرية تلك طبقيَّة متشابكة ومركبة للغاية، وبما أن اليهود الأشكناز هم من وصلوا فلسطين أولًا، فقد وضعوا أساس الدولة على غرار المجتمعات الأوربية التي عاشوا فيها، وهذا جعلهم يشعرون بأنهم أرقى من اليهود الشرقيين، وتحول الأمر بعد ذلك لصراع بين الطبقتين، اتخذ عددًا من أشكال العنف والفصل العنصري.

صدق الله تعالى حين قال :

” تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ  “.

المصدر ١

نُشر بواسطة الأمير الأحمر

كابوس الصهاينة

اترك رد

فرسان الأقصى حول العالم ضد الصهيونية
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: